ابن كثير

356

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

من وعثاء تلك المرابطة في بيت أم سلمة رضي اللّه عنها ، إذ تبدى له جبريل عليه الصلاة والسلام معتجرا بعمامة من إستبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج ، فقال : أوضعت السلاح يا رسول اللّه ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم « نعم » قال لكن الملائكة لم تضع أسلحتها ، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم . ثم قال : إن اللّه تبارك وتعالى يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة ، وفي رواية فقال له : عذيرك من مقاتل أوضعتم السلاح ؟ قال « نعم » قال لكنا لم نضع أسلحتنا بعد انهض إلى هؤلاء ، قال صلى اللّه عليه وسلم « أين ؟ » قال : بني قريظة ، فإن اللّه تعالى أمرني أن أزلزل عليهم ، فنهض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من فوره ، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة ، وكانت على أميال من المدينة ، وذلك بعد صلاة الظهر ، وقال صلى اللّه عليه وسلم « لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة » فسار الناس فأدركتهم الصلاة في الطريق ، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا : لم يرد منا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إلا تعجيل المسير . وقال آخرون : لا نصليها إلا في بني قريظة ، فلم يعنف واحدا من الفريقين ، وتبعهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم رضي اللّه عنه ، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، ثم نازلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحاصرهم خمسا وعشرين ليلة ، فلما طال عليه الحال ، نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس رضي اللّه عنه ، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية ، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك ، كما فعل عبد اللّه بن أبي ابن سلول في مواليه بني قينقاع ، حين استطلقهم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فظن هؤلاء أن سعدا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبي في أولئك ، ولم يعلموا أن سعدا رضي اللّه عنه كان قد أصابه سهم في أكحله أيام الخندق ، فكواه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أكحله وأنزله في قبة المسجد ليعوده من قريب . وقال سعد رضي اللّه عنه فيما دعا به ، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فأفجرها ، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة ، فاستجاب اللّه تعالى دعاءه ، وقدر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبا من تلقاء أنفسهم فعند ذلك استدعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المدينة ليحكم فيهم ، فلما أقبل وهو راكب على حمار قد وطئوا له عليه ، جعل الأوس يلوذون به ويقولون : يا سعد إنهم مواليك فأحسن فيهم ، ويرققونه عليهم ويعطفونه وهو ساكت لا يرد عليهم فلما أكثروا عليه قال رضي اللّه عنه : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في اللّه لومة لائم . فعرفوا أنه غير مستبقيهم . فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « قوموا إلى سيدكم » فقام إليه المسلمون ، فأنزلوه إعظاما وإكراما واحتراما له في محل ولايته ليكون أنفذ لحكمه فيهم ، فلما جلس قال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إن هؤلاء - وأشار إليهم - قد نزلوا على حكمك ، فاحكم فيهم بما شئت » فقال رضي اللّه عنه : وحكمي نافذ عليهم ؟ قال صلى اللّه عليه وسلم « نعم » . قال وعلى من في هذه الخيمة ؟ قال « نعم » . قال وعلى من هاهنا وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول اللّه ، وهو معرض